الإدارة بالتخويف والإدارة بالحوافز وجهان لعملة واحدة


قد يتفق الجميع أن الإدارة بالتخويف (Management by Fear) تدفع الناس للعمل ولكن بالتأكيد لن تنتج أي تميز في الاداء فضلا عن الإبداع والإبتكار. فالمدير الذي يستخدم التخويف في إدارته ينشأ بيئة غير صحية تؤثر على الموظفين وعلى أدائهم. عدم شعور الموظفين بالأمان يمنعهم من التعبير عن أفكارهم أو طرح الأسئلة للتعلم وتقديم أفضل ما عندهم بل قد يدفعهم ذلك للاحتيال والهدر. الإدارة بالتخويف وإن أنجزت على المدى القصير ولكن بالتأكيد لا تبني بيئة وثقافة عمل قوية تعمل لصالح المؤسسة على المدى الطويل. الإدارة بالتخويف لها عدة صور منها استخدام الكلمات الجارحة أو التهديد بالعقوبات أو الفصل وكذلك تكون باستخدام تقييم الأداء السنوي وتأخير الترقيات.

إذا كانت الإدارة بالتخويف تسبب الكثير من المشاكل التي تؤثر على نتائج المؤسسة بشكل عام, فكيف تكون الإدارة بالحوافز سببا كذلك في فشل المؤسسات؟ في وقت أصبحت الوعود المالية والمغريات بالمكافآت لتحفيز الناس على تحقيق النتائج من المسلمات لدى الكثيرين. تجد الكثير من الشركات والمؤسسات تستخدم المكافآت كجزء من المحفزات والتي غالبا ماتكون مرتبطة بالأداء والنتائج. هذا الفكر الإداري مبني على افتراضية أن الناس تنتج وتجتهد بشكل أفضل في وجود مغريات ومحفزات مادية وهو مالم تثبته الكثير من الأبحاث بل أن الكثير من الدراسات والوقائع أثبتت أن الناس الذين يتوقعون مكافأة نتيجة للعمل الذي يقومون به لا يتفوقون على الناس الذين يؤدون نفس العمل بدون وجود مكافأة وهذا ينطبق على الجميع سواء كانوا نساء أو رجال.

الدكتور إلف كوين، واحد من المفكرين والمتخصصين في موضوع التشجيع بالمال ومؤلف كتاب العقوبة بالمكافآت, يؤكد أن المكافآت لا تعمل على تحسين النتائج لأنها مبنية على فهم خاطئ لطبيعة البشر الذين يملكون دافع ذاتي للتفوق والنجاح بشكل طبيعي دون تدخل خارجي خاصة حين يعملون في الأماكن والأعمال التي يحبونها. كما يضيف أن العصا والجزرة (كناية للعقوبة والمكافأة) يمكن أن تكون فعالة في شيء واحدة فقط وهو الامتثال المؤقت للأوامر والقيام بالأعمال البسيطة التي لا تحتاج إلى مجهود ذهني كأنهاء معاملة في وقت معين أو الحضور والانصراف على الوقت في الدوام.

’’البشر يملكون دافع ذاتي للتفوق والنجاح بشكل طبيعي دون تدخل خارجي خاصة حين يعملون في الأماكن والأعمال التي يحبونها’’

حين نتحدث عن المكافأة هنا فنحن نقصد المكافأة المشروطة بعمل معين مثل "أعمل كذا وستنال كذا"، كمن يعد موظف بمكافأة على إنجاز عمل معين أو يعد لاعب بمكافأة في حالة تسجيله لهدف في مباراة. المشكلة هنا ليست في المكافأة نفسها ولكن في طريقة استخدام هذه المكافأة لتغيير سلوك الناس للحصول على نتيجة معينة. هذا العمل وإن يبدوا طبيعيا لدى كثير من الناس، إلا أن الفكر والتعامل بهذه الطريقة لا تحقق أكثر من الامتثال المؤقت الذي ينتهي بانتهاء أو انتفاء الرغبة بالمكافأة وقد يؤدي لنتائج عكسية على المدى البعيد, ذلك أن المكافآت المالية غالبا ماتكون مشروطة بتحقيق أهداف رقمية معينة كتوفير 20% من المصروفات أو زيادة المبيعات بنسبة 10% وحين تعطي المدير أهداف رقمية مع حوافز مالية فإنه سيعمل على تحقيقها حتى لو تسبب أداءه في تدمير المؤسسة.

’’حين تعطي المدير أهداف رقمية فإنه سيعمل على تحقيقها حتى لو تسبب أداءه في تدمير المؤسسة -- د. ديمنغ’’

الكثير من الشركات والمؤسسات تتبنى برامج داخلية تربط بين الأداء والمكافأة على الرغم أنه لا يوجد أي دراسة علمية تشير إلى تحسين الأداء على المدى الطويل نتيجة لأي نظام مكافآت. بل أن هذا الربط (بين المكافأة والأداء) يؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج عكسية، حيث يركز الموظف أو المسؤول على المكافأة وكيفية الحصول عليها أكثر من تركيزه على تحسين العمل نفسه، فيلجأ المسؤول إلى اتخاذ قرارات تزيد من مكاسبه الشخصية وإن تعارضت مع مصلحة العمل. ونظام المكافآت المحدود يزيد التنافس بين الموظفين فيقل العمل الجماعي وتقل مشاركة المعلومة حيث يحاول كل فرد الظهور على حساب زملائه. عندما تكون القرارات مبنية على مصالح فردية ويبحث كل شخص عن نجاحاته الفردية فثق تماما أن النتيجة الحتمية هو سوء في الأداء وانهيار في النتائج.

الكل يتذكر حادثة الراكب الذي تم سحبه بالقوة خارج الطائرة في إحدى رحلات شركة يونايتد الأمريكية وتسبب هذا الحادث في خسائر كبيرة للشركة نتيجة للسمعة السيئة التي لحقت بها, على إثر ذلك أعلنت الشركة في أبريل ٢٠١٧ أنها قررت إيقاف ربط علاوات الرئيس التنفيذي وكبار التنفيذيين بتخفيض التكاليف والتي أدت إلى اتخاذ المسؤولين لقرارات تركز على خفض التكاليف للوصول لنتائج سريعة لضمان العلاوات السنوية, ولكن هذه القرارات وإن قلّلت من التكاليف على المدى القصير ولكنها ألحقت الكثير من الأضرار بالشركة على المدى البعيد. وكانت حادثة هذا الراكب جرس إنذار أفاقت على أثرة شركة يونايتد وتنبهت إلى أن برنامج المكافآت المرتبط بالأداء المالي أضر بأداء وبسمعة الشركة خلال السنوات الماضية.

دكتور إدوارد ديمنغ كان يحذر من استخدام المحفزات الخارجية سواء كانت عقوبات أو مكافآت مالية كوسيلة لتحسين الأداء لأنها تركز على الأفراد وعلى النتيجة النهائية وليس على نظام العمل الذي يتحمل 95% من مشاكل الأداء في أي مؤسسة مقابل 5% فقط بسبب الأفراد. لذلك فإن برامج الحوافز بجانب عدم جدواها في تحسين النتائج فإنها تعتبر هدر كبير للمؤسسة حيث تركز على 5% فقط من فرص تحسين الأداء.

’’نظام العمل يتحمل 95% من مشاكل الأداء مقابل 5% فقط بسبب الأفراد, إذا فنظام الحوافز يركز على ٥٪ من أسباب الأداء’’

الإدارة بالحوافز لا تختلف عن الإدارة بالتخويف فهما وجهان لعملة واحدة وكلاهما يقتل الحافز الداخلي للأفراد للأداء الجيد والنجاح. فكما أن التشجيع بالمغريات يؤدي إلى محاولة تحسين الأرقام ولو بالغش طمعا في المكافأة، فالتخويف بالعقوبات يؤدي إلى إخفاء الأرقام الحقيقية خشية العقوبة فلا يوجد فرق بين "أعمل كذا وستحصل على كذا" وبين "أعمل كذا أو ستنال كذا" فالمكافأة وإن كانت جيدة فإن ربطها بسلوكيات ونتائج معينة تجعل منها تجربة غير جيدة للإنسان وغالبا ما تفقد قيمتها مع الوقت.

بنك ويل فارقو الأمريكي فصل ٥٣٠٠ موظف بعد أن غرّم ١٩٠ مليون دولار نتيجة تلاعب موظفيه في فتح أكثر من ٢ مليون حساب وهمي وإصدار بطاقات ائتمانية لعملاء البنك دون إذن منهم خلال السنوات الماضية. وعند دراسة الأسباب وجد أن إدارة البنك وضعت أهداف مبيعات عالية وضغطت على الموظفين لتحقيقها عبر التهديد بعدم الترقيات والفصل تارة وبالحوافز تارة أخرى مما أدى لتلاعب الموظفين لتحقيق النتائج المطلوبة. الإدارة بالتخويف والتهديد تسببت في خلق بيئة عمل سيئة تضغط على الموظفين وتدفعهم لتحقيق الأهداف بطرق غير شرعية.

’’الإدارة بالتخويف والإدارة بالحوافز هما وجهان لعملة واحدة فكلاهما يقتل الحافز الداخلي للأفراد للأداء الجيد والنجاح’’


بعد معرفة المشاكل الناتجة من استخدام المكافآت والعقوبات لرفع الأداء قد يتساءل شخص ما، لماذا إذا تلجأ الكثير من القيادات للتشجيع عبر المكافآت المادية أو الضغط عبر التهديد لرفع الأداء؟ والجواب لأن الطريقة الأخرى للحصول على أداء متميز ونتائج متفوقة ومستمرة تحتاج إلى بناء بيئة عمل قوية تحترم وتنمي قدرات الموظف ونظام عمل ممتاز يركز على العميل ويشجع الموظفين على التحسين المستمر وهذا مالا يستطيع عمله الكثير من هذه القيادات لعدم امتلاكهم للرؤية والمهارة والنفس الطويل.

--

الدكتور محمد حامد العميري

مستشار الإبتكار والجودة وتميز الأداء المؤسسي

Twitter: @Malomairy

127 views0 comments