شركات البرمجيات العابرة للحدود بسرعة البرق



كتب مارك أندرسون في جريدة وول ساريت عام ٢٠١١ أن “البرمجيات ستأكل العالم” وكان يقصد أن العالم يشهد تحولا كبيرا في مجال الصناعات والأعمال بأتجاه البرامج والأعتماد على الأنترنت بدرجة كبيرة. أخذت المقاله صدى كبير في بين أوساط رجال الأعمال والأقتصادين لدرجة أن بعض المحليلين بدأ يذكر بفقاعة الأنترنت في اواخر التسعينات وما أحدثته من خسائر وهزة كبيره في أسواق الأسهم العالمية.

إن ما يحدث الأن من ظهور سريع لشركات البرمجيات وأنتشارها بشكل كبير عبر الأنترنت ودخول الكثير منها لنادي اليونيكور (تصنيف للشركات الخاصة التي وصل تقيمها للمليار دولار أو أكثر) يؤكد أن صناعة البرمجيات ستسيطر على الأقتصاد العالمي بعد أن تقضي على الكثير من الشركات التي لا تواكب التحول والتطور السريع المرافق للبرامج.

خلال الخمس سنوات الماضية شهدنا ظهور شركة أنستقرام لمشاركة الصور وشركة واتساب للمحادثة الجماعية واللتان تم الأستحواذ عليهم من قبل شركة فيس بوك مقابل مليار دولار لأنستقرام و١٩ مليار دولار لوتساب. وشركة أوبر الأمريكية لخدمة المواصلات البديلة لسيارات الأجرة والتي وصل تقييمها لمبلغ لأكثر من ٦٠ مليار دولار حسب أخر تقييم في شهر يونيو ويقابلها شركة ديدي الصينية والتي تعمل في نفس المجال ومقيمة عند ٢٠ مليار دولار, وشركة أير بي أند بي والتي تقدم خدمة السكن البديل للفنادق والتي وصل تقييمها ل ٣٠ مليار دولار. وشركة سناب شات المقيمة عند ٢٢ مليار دولار. ورغم أن شركة تويتر تم أنشاءها في عام ٢٠٠٦ الأ أن أنتشارها الحقيقي كان في عام ٢٠١٢ حين وصل عدد مستخدميها لأكثر من ١٠٠ مليون مشترك. كذلك شركة دروب بوكس للتخزين والمشاركة في الملفات عبر الأنترنت والكثير من الشركات الأخرى.

وعلى الرغم من المبالغة في تقييم هذه الشركات قبل طرحها للعامه في سوق الأسهم خاصة أنها لا تملك أصول على الأرض وبعضها لم يصل للربحية إلا أن هذه الشركات تملك نموذج عمل مميز مبني على منصة برمجيات جاذبه للملايين من المستخدمين حيث تسيطر على معظم وقت مستخدمي الجوالات والانترنت ولا يخلو أي جوال من أحد هذه البرامج والموشرات تدل على أن هذه الشركات مستمره في جذب الكثير من المستخدمين فيما تواصل تطوير منصة الأستخدام لديها لتقديم خدماتها بشكل أقوى لتأميين الإستدامه اللازمة لنجاح طرحها في سوق الأسهم ومواصلة أستمرار نموها.

خطر هذه الشركات يكمن في عدة نقاط:

١- تقييم هذه الشركات لايعتمد على أرباح بل يعتمد على عدد المستخدمين وحجم العمليات وعلى أمكانية تحويل استخدامهم لهذه البرامج لدخل مادي مستقبلا عبر الأعلانات مثلا, أو أمكانية الأستحواذ عليها من قبل شركات أكبر في السوق, وتعتبر خبرة وسمعة المؤسس ونجاحاته السابقة عامل مساعد في رفع تقييم هذه الشركات.

٢- لا تملك هذه الشركات أصول حقيقية على الأرض، وقوتها تكمن في قدرتها على تطوير تطبيقها المستخدم وتسويقه لأكبر عدد ممكن من الجمهور، وبالتالي ظهور برامج أخرى منافسة قد يعرقل توسعها ويعرضها للفشل كما حدث لشركة أوبر في الصين حيث فشلت في منافسة شركة ديدي الصينيه، وكذلك في الشرق الأوسط حيث تعتبر شركة كريم الأفضل أداءها وخدمة. مع توفر الكثير من البرامج أصبح ولاء المستخدمين للأفضل والأسرع والأوفر وليس لشركة معينه.

٣- على الرغم من دخول هذه الشركات السريع لدول العالم عبر الأنترنت دون قيود تذكر الأ انها لا تقدم فوائد أقتصادية كبيرة للدول التي تسمح لهذه الشركات البرمجيات السحابية للعمل داخلها، كأستحداث وظائف جديده أو نقل للمعرفه كما تفعل الشركات المتعددة الجنسيات مثل شركة بروكتل أند قانبل وشركة يونيليفر.

٤- تجمع هذه الشركات كم هائل من المعلومات عن المستخدمين وأستخداماتهم وأحتياجاتهم ونمط تفكيرهم وسلوكهم وعن الدول التي يتواجدوا بها أكثر مما تستطيع أي دولة جمعه عن موطنيها ويمكن لتلك الشركات تحويل هذه المعلومات لنموذج عمل مستقبلي للتربح منها.

٥- القضاء على الشركات الوطنية التي تعمل في قطاع الخدمات وقطاع التجزئة وبالتالي زيادة البطالة المحلية فشركة أمازون ستقضي على محلات التجزئة, برامج الأتصال عبر الأنترنت ستقضي على شركات الأتصال المحلية, شركات التواصل الأجتماعي ستقضي على مؤسسات الصحافة المحلية, شركة أير بي أند بي ستقضي على شركات القنادق.

التحولات المستقبلية ستكون سريعة وكبيرة وأذا لم تتنبه دول العالم المتأخرة في مجال صناعة البرمجيات ولم تطور نماذج أعمال تقنية ومنصات تقنية لخدمة مجتمعاتها ستصبح أقتصادياتها فريسة سهلة لهذه الشركات العابرة للحدود بسرعة البرق.

---

الدكتور محمد حامد العميري

باحث ومقيم ومحكم في تميز الأداء المؤسسي بولدريج وفي مجال الأبداع وتحسين الأداء في الأعمال

رئيس لجنة تحكيم جائزة الإبداع في الجمعية الأمريكية للجودة

عضو لجنة تحكيم في الجائزة الدولية لتميز فريق المشاريع في الجمعية الأمريكية للجودة


5 views0 comments