أمازون الأخطبوط القادم لأبتلاع أسواق التجزئة المحلية



يقول أستاذ ومدير معهد الاستراتيجية والقدرة التنافسية في جامعة هارفارد الدكتور مايكل بورتر "أن أهمية وضع الاستراتيجيات يكمن في أختيار مالا يجب أن تفعله". بمعني أن الهدف من بناء أي إستراتيجة لا يتوقف على وضع التوجهات والمشاريع المستقبلية التي يجب عملها بل يشمل ايضا التوجهات والأعمال التي يجب عدم فعلها أو التوقف عن أدائها. لذلك من المهم للشركات وخاصة التي تعمل في قطاع التجزئة أن تعي مايجب فعله ومالا يجب فعله لمواجهة الخطر القادم عبر الأنترنت من شركة أمازون وذراعها في المنطقة سوق.كوم وغيرها من المتاجر الألكترونية التي يتوقع أن تسيطر على سوق التجزئة في المنطقة في السنوات القادمة.

"أهمية وضع الاستراتيجيات يكمن في أختيار مالا يجب أن تفعله"

استحواذ شركة أمازون على شركة سوق.كم في ٢٠١٧ يعتبر من أنجح الصفقات التي قامت بها أمازون خلال العام الماضي حيث منح أمازون تذكرة دخول مباشر للأسواق العربية وامتلاك أكبر حصة من سوق التجارة الألكترونية بشكل سريع. وهذه الخطوة تعتبر مؤشر على أن التجارة الإلكترونية في المنطقة العربية ستتضاعف في المستقبل القريب وتبين كذلك مدى جدية أمازون في التوسع والسيطرة على التجارة الإلكترونية في المنطقة العربية. هذا النجاح لأمازون يقابله إخفاق كبير لكثير من شركات التجزئة في فهم التوجهات المستقبلية لتجارة التجزئة وإنعكاس ذلك على سلوك عملائهم, والذي سيؤدي الى أن تفقد هذه الشركات الكثير من قيمتها خلال السنوات القادمة إذا لم تعيد حساباتها وتغير من أستراتيجيتها اليوم قبل الغد. فشركة أمازون كانت ومازالت خلف إفلاس وخسائر الكثير من شركات التجزئة في السوق الأمريكي. ويكفي أن ننظر الى الجدول التالي لنعرف حجم تأثير شركة أمازون على أكبر شركات التجزئة في السوق الأمريكي خلال العشر سنوات الماضية والتي خسرت الكثير من قيمتها في المقابل تضاعفت قيمة شركة أمازون الى ما يقارب ٢٠٠٠٪ خلال نفس الفترة.


وحتى لا تكون شركات التجزئة المحلية الضحية القادمة لأطماع شركة أمازون التوسعية في المنطقة العربية وفي السعودية والخليج بشكل خاص, فأن على هذه الشركات أن تراجع استراتيجياتها الحالية في السوق وأن تحاول فهم طبيعة المنافسة مع هذا الأخطبوط القادم للمنطقة بقوة عبر الأنترنت. يجب على الشركات التقليدية أن تعرف ماذا يجب أن تفعله وماذا يجب أن تتجنب فعله لتعيد أكتشاف مراكز قوتها على الأرض وتبدأ بالتركيز على تحسينها وتطوير أدائها للمحافظة على عملائها وحصتها في السوق المحلي والأ سترفع الراية البيضاء مبكرا و ستغلق ابوابها أسرع من مثيلاتها في الأسواق الغربية.

"شركات التجزئة المحلية لن تستطيع الصمود أمام أمازون وسترفع الراية البيضاء مبكرا"

ماذا يجب ألا تفعله هذه الشركات؟

من المهم أن تعي شركات التجزئة المحلية أنه لا يمكن منافسة أمازون بمحاولة تقليد نفس استراتيجيتها, فمنصة أمازون اليوم توفر مايقارب من ٥٠٠ مليون منتج ولايمكن بحال من الأحوال توفير مثل هذا العدد من المنتجات تحت سقف واحد عند أي من شركات التجزئة التقليدية على الأرض, شركة أمازون تسعى لأن تبيع كل شي لكل عميل في أي مكان وفي أي وقت, لديها التقنية للوصول لجميع العملاء ولديها القدرة اللوجستية لنقل أي منتج من أي مكان لأي مكان في أسرع وقت. سلاح أمازون الفتاك يكمن في طريقة تسعير الشركة للمنتجات المعروضة, فأسعار المنتجات في منصة أمازون تتغير بشكل يومي بل قد تتغير أكثر من مرة في نفس اليوم لضمان عرض أقل أسعار ممكنة في السوق لزيادة عدد عملائها ومبيعاتها وهذه الاستراتيجية تربك المنافسين وتسبب لهم الكثير من الخسائر, لذلك من الصعب منافسة أمازون عبر مجاراتها في تخفيض الأسعار. كثير من الشركات التي حاولت المنافسة في الأسعار انتهت الى إغلاق عدد كبير من فروعها وهبوط قيمتها السوقية بشكل كبير مع الوقت.

"أمازون تغير أسعارها بشكل يومي وهذا يربك المنافسين ويسبب لهم خسائر كبيرة"

ماذا يجب أن تفعله هذه الشركات؟

قوة أمازون تكمن في تنوع وعدد عملائها وكمية المنتجات المتوفرة وفي حجم مبيعاتها الضخم مع هامش ربح قليل وفي تواجدها في كل مكان عبر الأنترنت. نفس نقاط القوة هذه هي في الواقع قد تكون نقاط ضعف لدى أمازون فهي تفتقد الى التخصص وتفتقد إمكانية التركيز على عدد محدود من العملاء وتوفير تجربة عميل مميزة عبر التواصل المباشر مع معهم. لذلك على الشركات المحلية أن تعمل على معرفة عملائها وتحسين خدماتها لهم بشكل مباشر, ويمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية:

  • تجربة العميل, أن كان هناك ميزة واحدة ممكن تتفوق بها الشركات التقليدية على أمازون فهي ميزة تقديم تجربة جيدة للعميل داخل المتجر, فلا يمكن لأمازون أو أي متجر الكتروني أن يقدمها عبر الإنترنت. في الوقت الذي أعلنت شركة تويز أر أص إفلاسها خلال ٢٠١٧ بسبب محاولتها منافسة أمازون بالتوجه للبيع على الأنترنت وتخفيض أسعارها, استطاع متجر وندر وركس أن يحافظ على عملائه بسبب منافسة أمازون عبر توفير تجربة فريدة للزوار حيث يقدم برامج ترفيهية وتعليمية للأطفال داخل المتجر, كما يمكن للأطفال تجربة الألعاب ومعرفة كافة التفاصيل عن أي منتج حيث يتواصل العاملين بالمتجر مع جميع الزوار بشكل إيجابي و يشجعونهم على الاستمتاع بوقتهم وتكرار الزيارة.

  • التخصص في عدد محدود من المنتجات وتطوير علامة تجارية ترتبط في أذهان الناس عن هذه المنتجات كذلك من الأستراتيجيات التي يصعب على أمازون تطبيقها, فشركة امازون تبيع كل شي لكل عميل لذلك لا تستطيع أن تكون الأفضل في كل شي, ولكن الشركات المتخصصة تستطيع أن تكون الأفضل إذا ركزت على عدد محدود من المنتجات أو الخدمات وقدمت مستوى عالي من الجودة وطورت عملياتها لتقديم منتجاتها بشكل جذاب وبكفاءة عالية قبل وأثناء وبعد البيع لإضافة قيمة أكبر للعميل.

  • التواجد على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي أصبح اليوم مهم جدا للتواصل مع العميل من خلال أكثر من قناة وتقديم قيمة إضافية أكبر للعميل عبر دمج تجربة التواصل والتسويق والبيع على الإنترنت مع الخدمات الأرضية في المتجر. أحتراف هذا الدمج من قبل الشركات التقليدية سيضيف ميزة تنافسية لهذه الشركات وتجربة فريدة للعميل ذات قيمة إضافية أكبر من مجرد سعر السلعة المخفض من قبل أمازون أو أي متجر ألكتروني أخر.

"التركيز على خدمة العميل وتقديم تجربة مميزة للعميل قبل واثناء وبعد البيع هي الطريقة الوحيدة لمواجهة أمازون"

قيمة السلعة لا تختزل في بطاقة التسعيرة فقط بل تشمل كذلك تجربة العميل بدا من عملية البحث عن السلعة وطريقة عرضها والتواصل مع العميل وبيئة المتجر والخدمات المقدمة ووقت وكيفية توصيلها وانتهاء بخدمات ما بعد البيع. واليوم أصبح العميل يبحث عن تجربة شراء مميزة أكثر من سعر أرخص, وعلى الشركات المحلية اليوم أن تقدم أفضل مالديها في كل مرحلة من مراحل تجربة العميل للمنافسة والمحافظة على مركزها في السوق.

وأخيرا دخول شركة أمازون للأسواق العربية عبر الأنترنت سيمتص السيولة من الأسواق المحلية ويؤدي الى إنكماش وربما إفلاس عدد من الشركات المحلية مما يعني خسارة أقتصادية للمنطقة وفقدان العديد من الوظائف التي سيكون من الصعب تعويضها مستقبلا.

--

الدكتور محمد حامد العميري

مستشار الإبتكار والجودة وتميز الأداء المؤسسي

Twitter: @Malomairy

#Management

237 views0 comments